رمضان ٨ هـ
فتح مكة
دخل مكة فاتحًا متواضعًا، فطهّر الكعبة من الأصنام، وعفا عن أهلها الذين آذوه وأخرجوه.
نقضت قريش صلح الحديبية حين أعانت حلفاءها على خزاعة حلفاء النبي ﷺ، فتجهّز لفتح مكة وكتم وجهته.
وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم، فأطلع الله نبيّه، فأُدرك الكتاب في الطريق، وعفا ﷺ عن حاطب لأنه شهد بدرًا.
الدليل من السنةصحيح
عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالمِقْدَادَ، فَقَالَ: «انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوا مِنْهَا» قَالَ: فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، قُلْنَا لَهَا: أَخْرِجِي الكِتَابَ، قَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ، أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، قَالَ: فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، إِلَى نَاسٍ بِمَكَّةَ مِنَ المُشْرِكِينَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا حَاطِبُ، مَا هَذَا؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، يَقُولُ: كُنْتُ حَلِيفًا، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ المُهَاجِرِينَ مَنْ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلاَ رِضًا بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ»، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». فَأَنْزَلَ اللَّهُ السُّورَةَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ} [الممتحنة: 1]- إِلَى قَوْلِهِ - {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [البقرة: 108].
متفق عليهالشرح
وخرج في رمضان في جيش عظيم لم تر مكة مثله، حتى نزل قريبًا منها.
ودخل مكة فاتحًا، وأمّن أهلها: من دخل المسجد، أو أغلق عليه بابه، أو دخل دار أبي سفيان، فهو آمن.
وطاف بالبيت وحوله ثلاثمئة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بعود في يده ويتلو قول الله تعالى:
﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾
الدليل من السنةصحيح
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثُمائة نُصُبٍ، فجعل يَطعُنُها بِعُودٍ في يده، ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد».
متفق عليهالشرح
ودخل الكعبة فصلّى فيها، ثم عفا عن أهل مكة الذين آذوه وأخرجوه وقاتلوه.
الدليل من السنةصحيح
عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي، فأغلقها عليه، ومكث فيها، فسألتُ بلالًا حين خرج: ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: جعل عمودًا عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثةَ أعمدةٍ وراءه، وكان البيت يومئذٍ على ستة أعمدة، ثم صلى، وفي رواية: «عمودين عن يمينه».
متفق عليهالشرح
وخشي الأنصار أن يقيم في بلده بعد أن فتحها الله عليه، فقال لهم: المحيا محياكم، والممات مماتكم.
الدليل من السنةصحيح
عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: وفَدَت وفودٌ إلى معاوية وذلك في رمضان، فكان يصْنَع بعضُنا لبعض الطعام، فكان أبو هريرة مِمَّا يُكثِر أنْ يدْعُوَنا إلى رَحْلِه، فقلتُ: ألا أصْنَع طعامًا فأدْعُوهم إلى رَحْلي؟ فأَمَرتُ بطعام يُصنع، ثم لقيتُ أبا هريرة مِن العَشِيِّ، فقلتُ: الدعوةُ عندي الليلة، فقال: سَبَقْتَني، قلت: نعم، فدعَوْتُهم، فقال أبو هريرة: ألَا أُعْلِمُكم بحديث مِنْ حَديثِكم يا مَعْشَرَ الأنصار، ثم ذَكَرَ فتْحَ مكة، فقال: أقْبَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى قَدِمَ مكة، فبَعَث الزُّبير على إحْدى المُجَنِّبَتَيْن، وبعث خالدًا على المُجَنِّبة الأُخْرى، وبعث أبا عُبيدة على الحُسَّر، فَأَخَذوا بَطْن الوادي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كَتِيبة، قال: فَنَظَر فَرَآني، فقال أبو هريرة: قلتُ: لَبَّيْك يا رسول الله، فقال: «لا يَأْتِيني إلَّا أنصارِيّ»، -وفي رواية: فقال: «اهْتِفْ لي بالأنصار»-، قال: فأَطافوا به، ووَبَّشَت قريشٌ أوْباشًا لها وأتْباعًا، فقالوا: نُقدِّم هؤلاء، فإنْ كان لهُمْ شيء كنا معهم، وإن أُصِيبوا أَعْطَينا الذي سُئلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تَرون إلى أوْباش قريش، وأتباعهم»، ثم قال بيديْه إحداهما على الأخرى، ثم قال: «حتى تُوافوني بالصَّفا»، قال: فانطلَقْنا فما شاء أحدٌ مِنَّا أنْ يَقْتُلَ أحدًا إلَّا قتله، وما أحدٌ منهم يُوجِّه إلينا شيئًا، قال: فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسول الله، أُبِيحت خَضْراء قريش، لا قريش بعد اليوم، ثم قال: «مَنْ دخَل دار أبي سفيان فهو آمن»، فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأَدْرَكَتْه رغْبَة في قريته، ورأْفَة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي وكان إذا جاء الوحي لا يَخْفَى علينا، فإذا جاء فليس أحدٌ يرْفَع طَرْفَه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يَنْقَضي الوحي، فلما انْقَضَى الوحي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا مَعْشر الأنصار» قالوا: لبَّيْك يا رسول الله، قال: «قلتُم: أمَّا الرجل فأدْرَكَتْه رغْبَةٌ في قريته؟» قالوا: قد كان ذاك. قال: «كلَّا، إني عبدُ الله ورسوله، هاجرتُ إلى الله وإليكم، والمَحْيَا مَحْيَاكم والمَمَات مَماتُكم»، فأقْبَلوا إليه يبْكون ويقولون: والله، ما قلْنا الذي قلْنا إلَّا الضِّنَّ بالله وبرسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ اللهَ ورسولَه يُصَدِّقانِكم، ويَعْذُرانِكم»، قال: فأَقْبَل الناس إلى دار أبي سفيان، وأغلق الناسُ أبوابهم، قال: وأَقْبَل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أَقْبَل إلى الحَجَر، فاسْتَلمه ثم طاف بالبيت، قال: فَأَتى على صَنَم إلى جنْب البيت كانوا يعبدونه، قال: وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قَوْس وهو آخِذ بسِيَةِ القوس، فلمَّا أتى على الصنم جعل يطْعَنُه في عيْنه، ويقول: {جاء الحقُّ وزَهَقَ الباطلُ} [الإسراء: 81]، فلمَّا فرَغ مِن طَوافه أتى الصَّفَا، فَعَلا عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديْه فجعل يحمدُ اللهَ ويدعو بما شاء أن يدْعو.
رواه مسلمالشرح
